على أمواج الوفاء... النعش الذي عبر بحر القلوب – بقلم الإعلامي ميثم ماجد

الخميس 9 يوليو 2026 - 10:18 بتوقيت غرينتش

ليست كل المشاهد مما تدركه الأبصار، فبعضها لا يبصر إلا بالبصائر، ولا يلامس الوجدان إلا إذا عبر إليه من باب القلب. فمن هذا المنطلق كان مشهد تشييع سماحة قائد الثورة الإسلامية الإمام الشهيد آية الله السيد علي خامنئي في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة؛ مشهد تجاوز حدود المراسم، وارتقى إلى مرتبة الملحمة الإنسانية التي امتزج فيها الوفاء بالمحبة، والتاريخ بالعقيدة، والإجلال بصدق الانتماء.

كان النعش يمضي مرفوعاً فوق الأكتاف، يسبح في بحر من البشر، تتعاقب عليه الأيدي كما تتعاقب الأمواج على سفينة صغيرة تشق طريقها في بحر لا قرار له. لكنه لم يكن بحراً من ماء، بل بحراً من القلوب التي فاضت حباً وإيماناً ووفاء. وكلما امتدت يد لتحمل النعش، كانت كأنها تستأذن التاريخ أن تكتب اسمها في سجل المخلصين، وأن تنال شرف المساهمة، ولو للحظة عابرة، في وداع رجل أفنى عمره في الدفاع عن قضايا أمته، وحمل أمانة الموقف في أشد ساعاتها قسوة.

إنها صورة تعجز البلاغة عن الإحاطة بجلالها، وتنكسر الكلمات عند عتبتها. فما من عدسة تستطيع أن تنقل رجفة القلوب، ولا من قلم يفي تلك اللحظة حقها؛ لحظة بدا فيها الإنسان أكبر من السياسة، والمحبة أبلغ من كل خطاب.

وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: من أين تأتي هذه الهيبة التي تسكن القلوب؟ وكيف يبلغ إنسان هذه المنزلة في وجدان الملايين؟

إن العزة التي تستقر في ضمير الشعوب لا تشترى بنفوذ، ولا تصنع بضجيج الإعلام، ولا تفرض بقوة السلطان؛ وإنما يولدها عمر طويل من الثبات على المبدأ، والصدق في الموقف، والصبر على البلاء، والاستعداد لتحمل أثقال الرسالة مهما عظمت التضحيات. فإذا أحب الناس رجلاً لهذه المعاني، فإن محبتهم لا تبقى حبيسة الصدور، بل تتحول إلى مشاهد خالدة، تصنعها الأيدي وترويها الأجيال. وفي هذا المقام، تتردد كلمات الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي وكأنها كتبت لتصف هذا المعنى الخالد:

فأكرم بها من لحية وعمامة

لها ألف عام عن حماكم تناضل

فهذ البيت الشعري لا يمدح رجلاً بعينه، بقدر ما يستحضر مسيرة ممتدة عبر القرون؛ مسيرة مدرسة جعلت من العمامة رايةً للعلم، ومن اللحية رمزاً للوقار، ومن العالم الرباني حصناً للأمة، يحمل همومها، ويدافع عن عزتها، ويقف في وجه الظلم مهما اشتدت المحن.

ومن هنا، لم يكن ذلك المشهد مجرد وداع لقائد، بل كان شهادة حية على عمق العلاقة التي تنشأ بين الأمة ومن يحمل همومها بإخلاص. كان لقاء بين حاضر نابض وتاريخ طويل من الصمود، رأى فيه المشيعون امتداداً لمسيرة لم تنقطع، ومسؤولية تناقلتها الأجيال جيلاً بعد جيل.

وحقاً، قد تختصر صورة واحدة ما تعجز عن بيانه آلاف الخطب. فحين كان النعش يعبر فوق أمواج البشر، لم يكن المشيعون يحملون جسداً فحسب، بل كانوا يحملون عهداً، ووفاء، وذاكرة، وتاريخاً، ورسالة يؤمنون بأنها باقية ما بقيت القيم التي اجتمعوا عليها.

تلك لحظات لا تقاس بالدقائق، ولا تحفظ في أرشيف الأخبار، بل تستقر في ذاكرة الأمم. ولئن استطاعت الكاميرات أن توثق المشهد، فإنها لن تنقل حرارة الدموع، ولا خفقان القلوب، ولا ذلك الشعور الجمعي الذي وحد الوجوه والاتجاهات تحت عنوان واحد: الوفاء لمن عاش ثابتاً على مبادئه، حتى استحق أن يشيع على أكتاف المحبين، وأن يبقى حياً في وجدانهم، كما تبقى المواقف العظيمة حيةً في ضمير التاريخ.