الکوثر- مناسبات
ومن الواضح ان الدمع مالح وعند تكرر ملامسته للجفن يجرحه . ولهذه الحقيقة اشار اليها الإمام صاحب العصر والزمان (عليه السلام ، وعجل الله تعالى فرجه الشريف) في زيارته للإمام الحسين (عليه السلام) : (فلأندبنك صباحا ومساء ولأبكينّ عليك بدل الدموع دما) . مقطع من زيارة الناحية .
ان النص الصادر عن الإمام الرضا (عليه السلام) يظهر عمق فاجعة كربلاء التي لا يدرك مأساتها إلا هم أهل البيت (عليهم السلام) وادراك الناس لهذه الواقعة وفهمهم لها نسبيا وناقصا . ولذلك نرى الواقعة حاضرة أمام كل إمام في زمانه وهي نصب عينه دائما ، لأنهم (عليهم السلام) يفهمون عمق ما جرى في كربلاء كما ينبغي . ان المتبصر في هذا المقطع من قول الإمام الرضا (عليه السلام) ، ( ان يوم الحسين اقرح جفوننا واسبل دموعنا واذل عزيزنا ) يجد ان كلام الإمام (عليه السلام) عام وليس خاص في ايام عاشوراء من شهر محرم ، فحزنهم دائم وجفونهم مقروحة لكثرة بكائهم على مصاب ابي عبد الله الحسين (عليه السلام) . فقضية الإمام الحسين (عليه السلام) قضية عظمى لا يمكن تجاهلها في أي محفل يمكن اثارتها ، وكشف تلك المظلومية وما حدث بأبن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من هتك لحرمته وحرمة عياله واصحابه وابنائه وابناء عمومته . لقد تجاهلت هذه الامة واقعة كربلاء وتناست تلك المصاب الذي عبر عنه بألم وحرقة الإمام زين العابدين (عليه السلام) وهو الإمام المعصوم : ( لما اصابنا بالطف ما اصابنا وقتل ابي وقتل من كان معه من ولده واخوته وسائر اهله، وحملت حرمه ونساؤه على الاقتاب يراد بنا الكوفة ، فجعلتُ انظر اليهم صرعى ولم يواروا ، فعظم ذلك في صدري واشتد لما ارى منهم قلقي فكادت نفسي تخرج وتبينتْ ذلك مني عمتي زينب الكبرى بنت علي (عليه السلام) ، فقالت : ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدّي وابي واخوتي ؟ فقلت : كيف لا اجزع واهلع وقد ارى سيدي واخوتي وعمومتي وولد عمي واهلي مصرّعين بدمائهم مرملين بالعراء مسلوبين لا يكفنون ولا يوارون ولا يعرج عليهم احد ولا يقربهم بشر ، كأنهم اهل بيت من الديلم والخزر ... ) . كامل الزيارات : ب88 ص 262 ح1 .
وعلى ضوء ذلك لا يمكن مواجهة قضية الإمام الحسين (عليه السلام) او التقليل منها ومن عظمتها لان الله وعد بان يبقى ذكر الحسين شامخا وخالدا في قلوب المؤمنين والمحبين مهما جهد الاعداء في محوه او تطميسه . ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين .
الحسين (عليه السلام) استثناء وقضيته استثناء :
فقد ورد في الصحاح الستة لدى اهل العامة رغم اخفاء ذكره ومكانته وفضائله الا ان الحقيقة لا يمكن اخفائها ، والشمس لا يغطيها الغربال ، فقد نقلوا عن نجي الحضرمي انه سار مع علي (عليه السلام) وكان صاحب مطهرته ، فلما حاذى نينوى وهو منطلق الى صفين .
نادى : صبرا أبا عبد الله صبرا أبا عبد الله .
قلت : ماذا أبا عبد الله ؟
قال : دخلت على النبي (صلى الله عليه وآله) ذات يوم وعيناه تفيضان .
قلت : يا نبي الله ما لعينك تفيضان ؟
أغضبك أحد ؟
قال : بل قام من عندي جبرئيل قبل فحدثني ان الحسين يُقتل بشاطئ الفرات . فقال لي : هل لك الى ان اشمّك من تربته ؟
قلت نعم . فمدّ يده فقبض من تراب فأعطانيها ، فلم املك عيني ان فاضتا ) مسند احمد بن حنبل : ج 1 ص 85 ، مسند ابي يعلي : ج 1 ص 298 ح363 ، المعجم الكبير للطبراني : ج3 ص 105 ح 2811 .
يقول احد العلماء وهو يتبصر في هذا الحديث ، ولا يخفى ان قصة مرور الإمام امير المؤمنين (عليه السلام) على كربلاء في طريقه الى صفين تعود الى ما قبل عشرين سنة من احداث كربلاء ، وان عبارة (عينيك تفيضان) تختلف عن عبارة (تبكي) مثلا ، لأن الإناء لا تفيض إلا بعد ان يمتلئ فبعد ان يمتلئ ويزداد يفيض الماء من جوانبه ، فهذه الحالة يطلق عليها ـ في العربية ـ الفيضان ، وكذلك تطلق هذه الكلمة عندما تطغى الانهار ويجري السيل . اما في حالة البكاء العادية فلا يقال : ان فلانا عيناه تفيضان بالدموع .
وهذا يدلل على مدى حزن وتألم النبي (صلى الله عليه وآله) لمصاب حفيده الإمام الحسين (عليه السلام) .
لذلك ينبغي التأمل في عبارة الإمام امير المؤمنين (عليه السلام) (تفيضان) علما ان اهل البيت (عليهم السلام) هم امراء الكلام . وقد روى معاوية بن رحب عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال لي الإمام الصادق (عليه السلام) : ( يا معاوية لا تدع زيارة قبر الحسين (عليه السلام) لخوف ، فإن من ترك زيارته رأى من الحسرة ما يتمنى ان قبره كان عنده ) كامل الزيارات : ب40 ص116 . فقضية الإمام الحسين (عليه السلام) قضية استثنائية ، لأن الله تعالى قد تعامل معها بصورة استثنائية ، فيجب على الإنسان المسلم ان يتعامل مع قضايا الإمام (عليه السلام) وشعائره بصورة استثنائية ، وان لا يكون سلبيا ، بل ايجابيا في التعامل مع جميع القضايا الحسينية ، بمعنى ان لا يقول لا تفعلوا هذا ، ولا تفعلوا ذاك ، بل يجب التعامل معها بحجم المصاب الذي لا يدركه في الواقع إلا الإمام المعصوم (عليه السلام) ، فلأندبنك صباحا ومساء ولأبكينّ عليك بدل الدموع دما .