الكوثر - فلسطين
مفهوم المبادرة ومهامها
وفق الميثاق الذي وقع عليه ترامب خلال الاحتفال الرسمي، يهدف مجلس السلام إلى الإشراف على آليات تثبيت وقف النار في غزة وما بعد الحرب، دعم عملية إعادة إعمار القطاع، والحفاظ على استقرار طويل الأمد في المنطقة. كما أعلن دونالد ترامب أن المجلس قد يمتد دوره ليشمل معالجة أزمات دولية أخرى في المستقبل بالتنسيق مع الأمم المتحدة، رغم أن ميثاقه لا يذكر غزة بشكل صريح في نصه الأساسي.
ترامب وصف مجلس السلام بأنه الأكثر «شهرة وهيبة» من نوعه، مشيرًا إلى أنه قد يعمل “مع الأمم المتحدة” لكنه لا ينوي استبدالها، في خطوة يرى مراقبون أنها تفتح الباب أمام تقويض دور المؤسسات الدولية التقليدية.
إقرأ أيضاً:
تنظيم المجلس وتركيبته
يتولى ترامب رئاسة المجلس ويشغل منصب رئيسه التنفيذي، بينما تضم اللجنة التنفيذية عددًا من الشخصيات البارزة، من بينهم:
ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي
جاريد كوشنر، مستشار البيت الأبيض وابن صهر ترامب
توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق
وعدد آخر من الشخصيات السياسية والدبلوماسية.
تتضمن الهيكلية أيضًا:
لجنة تنفيذية خاصة بغزة تشارك فيها دول مختلفة من غرب أسيا
لجنة وطنية لإدارة غزة (National Committee for the Administration of Gaza) بقيادة مسؤولين فلسطينيين تكنوقراط، مهمتها إدارة شؤون ما بعد الحرب على الأرض، مثل بناء المؤسسات والخدمات.
كما أُعلن عن قوة دولية للاستقرار بقيادة ضابط أمريكي، تُعنى بأمن ما بعد الصراع ونزع السلاح.
الدول المشاركة والدعوات
أرسلت الولايات المتحدة دعوات لحوالي 50 إلى 60 دولة للانضمام إلى مجلس السلام، وقد أكدت عدد من الدول الانضمام فعليًا حتى الآن، مثل:
مصر، السعودية، قطر، الإمارات، الأردن، تركيا، باكستان، إندونيسيا، المجر، المغرب، بيلاروسيا، كوسوفو، باراغواي، أذربيجان، فيتنام. وقد أعلن عدد من الوزراء في بيان مشترك دعمهم للمجلس والتزامهم بالسعي نحو وقف دائم لإطلاق النار ودعم إعادة الإعمار.
المبادرة أيضًا شملت إسرائيل بين الدول المشاركة، وهو ما أثار الكثير من التساؤلات حول حياد المجلس وقدرته على التوسط في النزاع، بينما أعلن ترامب أنه دعا فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي، للنظر في الانضمام أيضًا.
مقابل الانضمام: مساهمات مالية وشروط
أحد أبرز البنود المثيرة للجدل هو شروط العضوية في المجلس؛ إذ يتوجب على الدول المساهمة بمبلغ 1 مليار دولار لكي تحصل على عضوية دائمة، في حين أن العضوية الأساسية دون مساهمات مالية تبقى محددة بمدة ثلاث سنوات فقط، وهي قيمة أعلى بكثير من التزامات كثير من الدول تجاه الأمم المتحدة أو أطر دولية أخرى.
ردود الفعل الدولية والانقسامات
لم تحظ المبادرة بدعم متساوٍ من المجتمع الدولي:
إسبانيا أعلنت رفض الانضمام رسميًا، مشيرة إلى التزامها بالعمل متعدد الأطراف والقانون الدولي، وأكدت أن استبعاد السلطة الفلسطينية من المجلس يعد سببًا إضافيًا لرفضها. ألمانيا عبرت عن تحفظها حول الشكل الحالي للمجلس وطالب بإعادة النظر في هيكلية الحكم والمسؤوليات.
دعوة كندا للمشاركة سُحبت بعد أن أعرب رئيس وزرائها عن تحفظات حول بنية المجلس وشرعيته وتأثيره على النظام الدولي.
في الوقت نفسه، وجه بعض الشخصيات العالمية، مثل إيلون ماسك، انتقادات وسخرية للمبادرة خلال فعاليات دافوس، معبّرين عن ارتباك حول مصطلح «السلام» مقابل «الجزء» في الاسم، في إشارة إلى تشكيك في نوايا المشروع.
تحليل: بين السلام السياسي والنفوذ الدولي
على الرغم من الهدف المعلن بالنسبة إلى غزة، يرى محللون أن مجلس السلام يعكس توازنات نفوذ جديدة في العلاقات الدولية؛ فهو يقدم بديلًا مقترحًا عن الأطر التقليدية مثل الأمم المتحدة في إدارة الصراعات، لكنه يثير مخاوف من تقويض التعددية والمؤسسات الدولية في الوقت الذي تسعى فيه قوة واحدة لتعزيز دورها الاستراتيجي وسيطرتها على القرارات الكبرى.
كما أن غياب تمثيل فلسطيني مباشر في القيادة العليا للمجلس والإصرار على شروط مالية عالية قد يقللان من مصداقيته في تحقيق «سلام عادل ودائم» على الأرض، خصوصًا في ظل استمرار التوترات في قطاع غزة وانتهاكات وقف إطلاق النار في بعض المناطق.
الخلاصة
مجلس السلام الذي أطلقه ترامب يعد محاولة بارزة لإعادة تشكيل آليات صُنع السلام الدولي بعد صراع طويل في غزة، لكن انقسامات الدول الكبرى، الشروط المالية، وخلافات حول دوره مقابل الأمم المتحدة، كلها تعطي للمبادرة طابعًا سياسيًا أكثر منه إنسانيًا محضًا. مبدئيًا، التحدي الأكبر سيتمثل في مدى قدرتها على تحويل هذه الرغبة إلى واقع ملموس على الأرض، خصوصًا في قطاع غزة الذي لا يزال يعاني من آثار النزاع.