قالوا عن فصاحة الإمام علي عليه السلام وبلاغته

الإثنين 18 ديسمبر 2023 - 11:42 بتوقيت غرينتش
 قالوا عن فصاحة الإمام علي عليه السلام وبلاغته

إن الحديث عن الشخصيات العظيمة صعب مستصعب ، وذلك للحيرة الكبيرة التي يقع بها الكاتب عن هذه الشخصيات ، فهو – واقعا – لا يعرف من أين يبدأ ، وفي أي مكان ينتهي ، وما ذلك إلاّ لأن حياة العظماء عظيمة في كل جوانبها ، وشامخة في كل نواحيها .

الكوثر_اسلاميات

ومن ذلك الحديث الصعب هو الحديث عن شخصية لامعة كشخصية الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه ، فهذا الرجل قد شغل الناس قديما وحديثا بذكر عجائبه وغرائبه التي لا تنتهي .

وما ظنك برجل وصل الإعجاب والافتتان به إلى حد أن أتخذه بعض الناس إلها لهم .

ورغم معرفتنا بضلال هؤلاء الناس وفساد عقيدتهم ، إلاّ أن هذا وبلا شك يكشف جانبا هاما من جوانب هذه الشخصية العملاقة .

ولو أردنا الحديث عن مجمل جوانب شخصية هذا الرجل للزمنا ذلك أن نتحدث عن مجمل الروائع في هذه الدنيا ،،، فأي فن من فنون العظمة لم يخضه هذا الرجل ؟

ألم يصفه الواصفون بأنه : العالم الفقيه العابد الزاهد الشجاع الفصيح الحكيم ؟

نعم هذه هي صفاته (ع) ، ثم أنه تفرد بخصائص ومزايا لم يشاركه فيها أحد ممن عاصره ، أو ممن جاء بعده – إذا استثنينا أستاذه ومعلمه نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم - وما الحديث عن فصاحة هذا الرجل وبلاغته إلاّ جزءا يسيرا من جوانب عظمته .

ولا يظن القارئ الكريم إننا في بحثنا هذا نريد إثبات فصاحة علي (ع) أو بلاغته ، فهذه حقيقة قد تسالم عليها الأولون والآخرون ، ومهما اختلف الناس في شئ من مناقبه وفضائله ، فإنهم لا يختلفون بأنه (ع) إمام الفصحاء وسيد البلغاء ، وأن كلامه أشرف الكلام وأبلغه بعد كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم .

وحتى الذين شككوا في صحة نسبة بعض ما في نهج البلاغة له (ع) فهم لم يشكوا طرفة عين أبدا بأنه لا يدانى ولا يجارى في الفصاحة والبلاغة ، وأنه بزّ الأولين ، ولم يلحق بشأوه الآخرون ، وإن ما ورد عنه في كتب الأدب والبيان ( من غير النهج ) كاف لإثبات هذه الحقيقة .

وقد أعجب الناس – قديما وحديثا – ببيان علي وفصاحته ، وتعلقوا بها أيما تعلق ، فقرأوه وتدارسوه ، بل حفظوه في صدورهم وانطوت عليه جوانحهم ، وتمثلّوا به في كلامهم .

فهذا المسعودي ( المؤرخ المعروف ) يحدثنا بأن الناس حفظت من خطبه (ع) في سائر مقاماته أربعمائة ونيف وثمانون خطبة .

وهذا الأديب الشهير ( عبد الحميد الكاتب ) لما قيل له : ما الذي خرّجك في البلاغة ؟ قال : ( حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ففاضت ثم فاضت ) .

وليس ابن نباته السعدي ( الخطيب المشهور) ببعيد عن سابقه ، فهو أيضا يحدّثنا عن نفسه بأنه حفظ مائة فصل من مواعظ علي .

ولم يكن الشريف الرضي ببدع من الناس حين عني بخطب علي (ع) وكلماته وجمعها في كتابه القيّم (نهج البلاغة) وإنما سبقه إلى ذلك جمع غفير من المؤرخين والكتاب ، ثم لحقه كذلك مثلهم ، ولو كان الحديث هنا يعنى بهذا الجانب لسردت لك قائمة طويلة بأسماء هؤلاء .

نكتفي بهذه المقدمة الموجزة ، وانتظرونا في الفصل الثاني لسرد الأقوال عن بلاغة علي (ع) وفصاحته إجمالا ، ثم الفصل الثالث لتبيان بعض جوانب هذه البلاغة والفصاحة والسلام عليكم .

الشهادات لعلي (ع) ببلوغه أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة :

 -  قال الإمام الصادق (ع) :

( تكلم أمير المؤمنين صلوات الله عليه بأربع وعشرين كلمة قيمة ، كل كلمة منها وزن السموات والأرض ) كنز الفوائد للكراجكي .

-   قال الحارث الهمداني :

) والله لقد رأيت عليا ، وإنه ليخطب قاعدا كقائم ، ومحاربا كمسالم) مصادر نهج البلاغة للحسيني ج١ص٤٢ .

 -  قال معاوية بن أبي سفيان ( والفضل ما شهدت به الأعداء ) :

( والله ما رأيت أحدا يخطب ليس محمدا – يقصد باستثناء محمد - أحسن من علي إذا خطب ، فو الله ما سن الفصاحة لقريش غيره ) نفسه ج١ص٤٣ .

-  قال التابعي المعروف عامر الشعبي :

(تكلم أمير المؤمنين علي (ع) بتسع كلمات ارتجلهن ارتجالا ، فقأن عيون البلاغة ، وأيتمن جواهر الحكمة ، وقطعن جميع الأنام عن اللحاق بواحدة منهن :

ثلاث منها في المناجاة ، وثلاث منها في الحكمة ، وثلاث منها في الأدب :

أما اللواتي في المناجاة ، فقال : ( كفى بي عزا أن أكون لك عبدا ، وكفى بي فخرا أن تكون لي ربا ، أنت كما أحب فاجعلني كما تحب ) .

وأما اللاتي في الحكمة فقال : ( قيمة كل امرئ ما يحسنه ، وما هلك امرؤ عرف قدره ، والمرء مخبوء تحت لسانه ) .

وأما اللاتي في الأدب فقال : ( امنن على من شئت تكن أميره ، واحتج إلى من شئت تكن أسيره ، واستغن عمن شئت تكن نظيره ) الخصال للصدوق ج١ص٤٩  .

-  عبد الحميد الكاتب – الذي قيل عنه :

فتحت الرسائل بعبد الحميد وختمت بابن العميد – سأل : ما الذي خرّجك في البلاغة ، فقال :

( حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ففاضت ثم فاضت )عن أمراء البيان لمحمد كرد علي ج١ص٤٥ .

-  قال ابن نباته – صاحب الخطب المشهورة - :

(حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده الإنفاق إلاّ سعة وكثرة ، حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب ) مجلة تراثنا / العدد الخامس ١٤٠٦ ص١٥ .

 -  قال جعفر بن يحيى - وجعفر هذا من أبلغ الناس وأفصحهم كما شهد له خريّت الصناعة الجاحظ – كان يقول عن علي (ع) :

( فصيح قريش ) شرح النهج لابن أبي الحديد ج٢ص٤٥٤ ولجعفر هذا تفصيل يأتي لا حقا عن بلاغة علي (ع) .

-  قال الجاحظ – وهو خريّت صناعة الأدب – في وصف المائة كلمة التي جمعها من كلام أمير المؤمنين (ع) :

( إن لأمير المؤمنين مائة كلمة ، كل كلمة منها تفي بألف من محاسن كلام العرب ) مجلة تراثنا / العدد الخامس ص ٣٢ .

وقال أيضا في تعليقه على حكمة الإمام المشهورة ( قيمة كل امرئ ما يحسنه ) :

( فلو لم نقف في هذا الكتاب إلاّ على هذه الكلمة لوجدناها كافية شافية ، ومجزية مغنية ، بل لوجدناها فاضلة عن الكفاية ، وغير مقصرة عن الغاية ، وأحسن الكلام ما كان قليله يغني عن كثيره ، ومعناه في ظاهر لفظه ، وكأن الله عز وجل قد ألبسه من الجلالة ، وغشاه من الحكمة على حسب نية صاحبه ، وتقوى قائله ، فإذا كان شريفا ، واللفظ بليغا ، وكان صحيح الطبع ، بعيدا عن الاستكراه ، ومنزها عن الاختلال ، مصونا عن التكلف ، صنع في القلب صنع الغيث في التربة الكريمة ، ومتى فصلت الكلمة على هذه الشريطة ، ونفذت من قائلها على هذه الصفة ، أصحبها الله من التوفيق ومنحها من التأييد ما لا يمتنع عن تعظيمها صدور الجبابرة ، ولا يذهل عن فهمها عقول الجهلة ) البيان والتبيين للجاحظ .

-  وقد علّق السيد الإمام يحيى بن حمزة اليمني على كلمة للجاحظ في بيان علي (ع) :

( انظر إلى إنصاف الجاحظ فيما قاله ، وما ذاك إلاّ أنه خرق قرطاس سمعه ببلاغته ، وحيّر سمعه لما اشتمل عليه من إعجازه وفصاحته ، فإذا كان هذا حال الجاحظ ، وله في الفصاحة اليد البيضاء فكيف حال غيره )عن الطراز المذهب ج١ص١٦٧ .

-  وقال ابن عبد البر – صاحب الاستيعاب في معرفة الأصحاب – معلقا على هذه الكلمة أيضا :

(يقال : إن قول علي بن أبي طالب ( قيمة كل امرئ ما يحسن ) .

لم يسبقه إليه أحد ، وقالوا : ليس كلمة أحض على طلب العلم منها) .

وقال عنها أيضا :

( من الكلام العجيب الخطير ، وقد طار الناس إليه كل مطير ، ونظمه جماعة من الشعراء إعجابا به ، وكلفا بحسنه )عن جامع بيان العلم وفضله ص ٩٩/١٠٠ .

-  قال الشريف الرضي – وهو غني عن التعريف في علمه وأدبه - :

( إذ كان أمير المؤمنين عليه السلام مشرع الفصاحة وموردها ، ومنشأ البلاغة ومولدها ، ومنه – عليه السلام – ظهر مكنونها وعنه أخذت قوانينها ، وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب ، وبكلامه استعان كل واعظ بليغ ، ومع ذلك فقد سبق وقصروا ، وقد تقدم وتأخروا ، لأن كلامه – عليه السلام – الكلام الذي عليه مسحة من العلم الإلهي ، وفيه عبقة من الكلام النبوي ) مقدمة ( نهج البلاغة ) .

-  قال العلامة شمس الدين الحنفي الشهير بسبط ابن الجوزي :

( كان علي ينطق بكلام قد حف بالعصمة ، ويتكلم بميزان الحكمة ، كلام ألقى الله عليه المهابة ، فكل من طرق سمعه راقه فهابه ، وقد جمع الله له بين الحلاوة والملاحة ، والطلاوة والفصاحة ، لم تسقط له كلمة ، ولا بارت له حجة ، أعجز الناطقين ، وحاز السبق في السابقين ) عن تذكرة خواص الأئمة ص ١٢٨ .

- قال الشيخ محمد بن طلحة الشافعي :

( الفصاحة تنسب إليه ، والبلاغة تنقل عنه والبراعة تستفاد منه ، وعلم المعاني والبيان غريزة فيه ) عن مطالب السؤال ج١ص١٣٧ .

-  قال ابن أبي الحديد – وهو غني عن التعريف - :

( واعلم أننا لا يتخالجنا الشك في أنه عليه السلام أفصح من كل ناطق بلغة العرب من الأولين والآخرين ، إلاّ من كلام الله سبحانه ، وكلام رسول الله صلى الله عليه وآله ) .

وقال أيضا :

( إن سطرا واحدا من ( نهج البلاغة) يساوي ألف سطر من كلام ابن نباته ، وهو الخطيب الفاضل الذي اتفق الناس على أنه أوحد عصره في فنه ) شرح النهج ج٢ص ٤٥٤ .

ولهذا الأديب المصقع تفصيل كثير عن بلاغة علي (ع) سيأتي في محله إن شاء الله تعالى .